مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
259
موسوعه أصول الفقه المقارن
فيها شيء ما في الأولى ، فالاستثناء مختصّ بالجملة الأخيرة ، وإن لم تكن الجملة الأخيرة مضربة عن الأولى بل لها نوع تعلّق ، فالاستثناء راجع إلى الكلّ . وهو رأي القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وجماعة من المعتزلة « 1 » . كما فصَّل العلّامة الحلّي ، وذهب إلى اعتماد القرينة على الأمرين « 2 » : « وهو ليس بجيد ؛ لأنَّ فرض وجود القرينة يخرج عن محلّ النزاع ؛ إذ هو فيما عرا عنها » « 3 » . وفصَّل آخر بين ما إذا كان الموضوع واحداً للجمل المتعاقبة لم يتكرّر ذكره ، وقد ذكر في صدر الكلام ، مثل قولك : ( أحسن إلى الناس ، واحترمهم ، واقضِ حوائجهم ، إلَّا الفاسقين ) ، وبين ما إذا كان الموضوع متكرّراً ذكره لكلِّ جملة كالآية الرابعة من سورة النور ، وإن كان الموضوع في المعنى واحداً في الجميع . فإن كان من قبيل الأوّل ، فهو ظاهر في رجوعه إلى الجميع ؛ باعتبار اتّحاد الموضوع في جميع الجمل . وإن كان من قبيل الثاني ، فهو ظاهر في الرجوع إلى الأخيرة ؛ باعتبار استقلال الموضوعات ، ويحتاج تخصيص الجمل السابقة إلى دليل آخر مفقود في الفرض ، فيتمسَّك بأصالة عمومها « 4 » . ثمرة الخلاف تظهر ثمرة الخلاف في رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل أو الأخيرة في مثل قوله تعالى : « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا » « 5 » ، فإنَّه يحتمل أن يكون هذا الاستثناء من الحكم الأخير فقط ، وهو فسق هؤلاء ، وتبقى الجمل الأخرى على عمومها وتجري فيها أصالة العموم . ويحتمل أن يكون استثناء منه ومن الحكم بعدم قبول شهادتهم والحكم بجلدهم الثمانين « 6 » . 4 - الاستثناء من النفي وبالعكس اختلف الأصوليون في أنَّ الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات ، ويعود هذا الاختلاف إلى أنَّ المستثنى مُخرَج من الحكم أو من المحكوم به ، فإذا قال قائل : ( قام القوم إلَّازيداً ) فهناك أمران ، الأوَّل : القيام ، والآخر : الحكم . والاختلاف في أنَّ الاستثناء إخراج للمستثنى من المحكوم به ، وهو القيام ، فيدخل في نقيضه ، وهو عدم القيام ، أم إخراج للمستثنى من الحكم بالقيام أو عدمه ، فيدخل في نقيضه ، وهو عدم الحكم ، فيكون غير محكوم عليه ، وهو في هذه الحالة أعمّ من أن يكون قائماً وأن لا يكون « 7 » .
--> ( 1 ) . انظر : المعتمد 1 : 264 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 504 - 505 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 2 : 261 . ( 2 ) . تهذيب الوصول : 141 . ( 3 ) . معالم الدين : 122 . ( 4 ) . انظر : أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 212 ، الكاشف عن المحصول 4 : 458 - 459 . ( 5 ) . النور : 4 - 5 . ( 6 ) . أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 212 ، وانظر : البرهان في أصول الفقه 1 : 141 ، أصول الفقه ( الخضري بك ) : 180 ، أصول الفقه ( محمد أبو النور ) 1 - 2 : 468 - 469 . ( 7 ) . الوجيز في أصول التشريع الإسلامي : 184 ، وانظر : شرح الجلال المحلّي 2 : 23 - 24 ، حاشية العلامة البناني 2 : 23 - 24 ، تمهيد القواعد : 198 ، تقرير الشربيني 2 : 23 - 24 .